محمد بن محمد ابو شهبة
57
السيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة
إسماعيل وأمه هاجر بهذا الوادي ، فنشأ إسماعيل به حتى صار رجلا ، واختلط بهم وصاهرهم ، ثم غلبت خزاعة جرهما عليها ، واستمروا حكامها حتى جاء قصي بن كلاب ، فجمع قريشا فيها ، بعد أن تمكن من إجلاء خزاعة عنها ، وبذلك عادت لقريش السيادة على مكة وحماية البيت حتى ظهور الإسلام . والذي تدل عليه قصة بناء الكعبة في صحيح البخاري ، أن الخليل لما أسكن ابنه وأمّه هناك لم يكن بها أحد . وأن الجراهمة أول من أقاموا بجوار إسماعيل ، مما يدل على أن مكة لم تنشأ إلا بعد نبع زمزم ، وبناء البيت ، واتصال إسماعيل بالجراهمة ، ومصاهرته فيهم ، وستأتي هذه القصة إن شاء اللّه تعالى . المدينة وهي تقع على بعد نحو من ثلاثمائة ميل شمال مكة ، وكان اسمها الغالب عليها في الجاهلية يثرب ، وقد ورد في القران الكريم ، وهي تقع بين حرّتين ، وأرضها تشتهر بالخصب من قديم ، وبها البساتين ، والنخيل ، والفواكه ، والزروع . وقيل إن تاريخ نشأتها يرجع إلى نحو سنة ستمائة وألف قبل الميلاد ، وكان يسكنها العماليق في بادىء الأمر ، ثم ارتحل إليها بعض اليهود لما تعرضوا لموجات من الاضطهاد ، والقتل ، والأسر على يد « بختنصر » البابلي وغيره فأقاموا بها « 1 » ، حتى نزل بعد انهيار ( سد مأرب ) بعض القبائل العربية الجنوبية ، وهما قبيلتا الأوس والخزرج ، فوجدوا الثروة والمال مع اليهود فاستعانوا بإخوانهم
--> - وأسسوا بها دولة حمورابي اسم أكبر ملوكها ، ومؤسس أقدم شريعة في العالم في القرن السالف الذكر ، وقد أغار على الدولة البابلية الأولى ، وقد فني المقهورون في القاهرين وصارت الدولة البابلية عربية بحتة ( دائرة معارف القرن العشرين مادة عرب ) . ( 1 ) من هذا يتبين أن اليهود طارئون ودخلاء على المدينة ، ومن كرم العرب أن تركوهم يساكنونهم فيها ، حتى جاء الإسلام ، فاستعملوا الدس ، والغدر ، والخيانة مع النبي والمؤمنين ، فلم يكن بدّ من إجلائهم عنها كما سيأتي في الجزء الثاني إن شاء اللّه تعالى .